فخر الدين الرازي

58

تفسير الرازي

ههنا ذكرها الله على سبيل الاختصار ، فاقتصر على ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة ، ولم يذكر عنه الأمر بالتوحيد وإن كان قاله في موضع آخر حيث قال : * ( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) * ( الأعراف : 59 ) لأن ذلك كان قد أتى به إبراهيم وسبقه فصار كالمختص به ولوط يبلغ ذلك عن إبراهيم . وأما المنع من عمل قوم لوط كان مختصاً بلوط ، فإن إبراهيم لم يظهر ذلك ( في زمنه ) ولم يمنعهم منه فذكر كل واحد بما اختص به وسبق به غيره . المسألة الثانية : لم سمى ذلك الفعل فاحشة ؟ فنقول الفاحشة هو القبيح الظاهر قبحه ، ثم إن الشهوة والغضب صفتا قبح لولا مصلحة ما كان يخلقهما الله في الإنسان ، فمصلحة الشهوة الفرجية هي بقاء النوع بتوليد الشخص ، وهذه المصلحة لا تحصل إلا بوجود الولد وبقائه بعد الأب ، فإنه لو وجد ومات قبل الأب كان يفنى النوع بفناء القرن الأول ، لكن الزنا قضاء شهوة ولا يفضي إلى بقاء النوع ، لأنا بينا أن البناء بالوجود وبقاء الولد بعد الأب لكن الزنا وإن كان يفضي إلى وجود الولد ولكن لا يفضي إلى بقائه ، لأن المياه إذا اشتبهت لا يعرف الوالد ولده فلا يقوم بتربيته والإنفاق عليه فيضيع ويهلك ، فلا يحصل مصلحة البقاء ، فاذن الزنا شهوة قبيحة خالية عن المصلحة التي لأجلها خلقت ، فهو قبيح ظاهر قبحه حيث لا تستره المصلحة فهو فاحشة ، وإذا كان الزنا فاحشة مع أنه يفضي إلى وجود الولد ولكن لا يفضي إلى بقائه ، فاللواطة التي لا تفضي إلى وجوده أولى بأن تكون فاحشة . المسألة الثالثة : الآية دالة على وجوب الحد في اللواطة ، لأنها مع الزنا اشتركت في كونهما فاحشة حيث قال الله تعالى : * ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ) * ( الإسراء : 32 ) واشتراكهما في الفاحشة يناسب الزجر عنه ، فما شرع زاجراً هناك يشرع زاجراً ههنا ، وهذا وإن كان قياساً إلا أن جامعه مستفاد من الآية ، ووجه آخر ، وهو أن الله جعل عذاب من أتى بها إمطار الحجارة حيث أمطر عليهم حجارة عاجلاً ، فوجب أن يعذب من أتى به بإمطار الحجارة به عاجلاً وهو الرجم ، وقوله : * ( ما سبقكم بها من أحد ) * يحتمل وجهين أحدهما : أن قبلهم لم يأت أحد بهذا القبيح وهذا ظاهر ، والثاني : أن قبلهم ربما أتى به واحد في الندرة لكنهم بالغوا فيه ، فقال لهم ما سبقكم بها من أحد ، كما يقال إن فلاناً سبق البخلاء في البخل ، وسبق اللئام في اللؤم إذا زاد عليهم ، ثم قال تعالى : * ( أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل ) * بياناً لما ذكرنا ، يعنى تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء المشتمل على المصلحة التي هي بقاء النوع ، حتى يظهر أنه قبيح لم يستر قبحه مصلحة ، وحينئذ يصير هذا كقوله تعالى : * ( أتأتون الرجال شهوة من دون النساء ) * ( ) يعنى إتيان النساء شهوة قبيحة مستترة بالمصلحة فلكم دافع لحاجتكم لا فاحشة فيه وتتركونه وتأتون الرجال شهوة مع الفاحشة وقوله : * ( وتأتون في ناديكم المنكر ) * يعني ما كفاكم قبح فعلكم حتى تضمون إليه قبح الإظهار ، وقوله : * ( فما كان جواب قومه ) * في التفسير ، كقوله في قصة إبراهيم * ( وما كان جواب قومه ) * وفي الآية مسائل :